محمد بن جرير الطبري
4
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . القول في تأويل قوله تعالى : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يقول تعالى ذكره : يحلف لكم أيها المؤمنون بالله هؤلاء المنافقون اعتذارا بالباطل والكذب لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يقول : فإن أنتم أيها المؤمنون رضيتم عنه وقبلتم معذرتهم ، إذا كنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم ، فإن رضاكم عنهم غير نافعهم عند الله ؛ لأن الله يعلم من سرائر أمرهم ما لا تعلمون ، ومن خفي اعتقادهم ما تجهلون ، وأنهم على الكفر بالله ، يعني أنهم الخارجون من الإيمان إلى الكفر بالله ومن الطاعة إلى المعصية . القول في تأويل قوله تعالى : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ . يقول تعالى ذكره : الأعراب أشد جحودا لتوحيد الله وأشد نفاقا من أهل الحضر في القرى والأمصار . وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم وقلة مشاهدتهم لأهل الخير ، فهم لذلك أقسى قلوبا وأقل علما بحقوق الله . وقوله : وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ يقول : وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ؛ وذلك فيما قال قتادة : السنن . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ قال : هم أقل علما بالسنن . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مقرن عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند ، فقال : والله إن حديثك ليعجبني ، وإن يدك لتريبني فقال زيد : وما يريبك من يدي ، إنها الشمال ؟ فقال الأعرابي : والله ما أدري أليمين يقطعون أم الشمال ؟ فقال زيد بن صوحان : صدق الله : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ . وقوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يقول : والله عليم بمن يعلم حدود ما أنزل على رسوله ، والمنافق من خلقه والكافر منهم ، لا يخفى عليه منهم أحد ، حكيم في تدبيره إياهم ، وفي حلمه عن عقابهم مع علمه بسرائرهم وخداعهم أولياءه . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يقول تعالى ذكره : ومن الأعراب من يعد نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك أو في معونة مسلم أو في بعض ما ندب الله إليه عباده مَغْرَماً يعني غرما لزمه لا يرجو له ثوابا ولا يدفع به عن نفسه عقابا . وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ يقول : وينتظرون بكم الدوائر أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروه ونفي محبوب ، وغلبة عدو لكم . يقول الله تعالى ذكره : عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ يقول : جعل الله دائرة السوء عليهم ، ونزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون ، ولا بكم ، والله سميع لدعاء الداعين عليم بتدبيرهم وما هو بهم نازل من عقاب الله وما هم إليه صائرون من أليم عقابه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ قال : هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا ، أو يحاربوا ، أو يقاتلوا ، ويرون نفقتهم مغرما ، ألا تراه يقول : وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ . واختلفت القراء في قراءه ذلك ، فقرأه عامة قراء أهل المدينة والكوفة : عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ بفتح السين ، بمعنى النعت للدائرة ، وإن كانت الدائرة مضافة إليه ، كقولهم : هو رجل السوء ، وامرؤ الصدق ، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم : سؤته أسوؤه سوءا ومساءة